عبد الاله بسكًمار
الإثنين 18 دجنبر 2017
ندوة العناية بتاريخ تازة والتحفيز على البحث واحياء الأرشيف المحلي


       لعل من نافلة القول إن الكتابة المونوغرافية حول تواريخ مختلف المناطق والمدن المغربية قد أصبحت ضرورة حيوية في اللحظة الحالية للبحث الجامعي والعلمي عموما، وعلى الصعيد الوطني، في أفق رد الاعتبار للذاكرة الوطنية وكتابة أو إعادة كتابة تاريخنا الوطني ككل. ويقع جزء كبير من عبء هذه المهمة العلمية المفتوحة على عاتق الباحثين الجامعيين الشباب ونظرائهم من عموم المهتمين والكتاب المخضرمين، سواء على صعيد المدن والحواضر والمناطق المغربية ذات العمق التاريخي المعتبر، أو في مستوى التأريخ لمناطق من المغرب العميق أو محسوبة على الهوامش، ومنه تاريخ البوادي المغربية والمدن المتوسطة والصغيرة، لأنها روافد أساسية لتاريخ المغرب ككل. ويتعزز هذا الطرح الموضوعي الذي لا تخفى أهميته في الخيار الجهوي كرهان تنموي أعلنته الدولة ومازالت تراوح مكانها حاليا ضمن ممارسات ملتبسة وترسانة قانونية وإدارية متشابكة تروم إقرار مزيد من اللامركزية واللاتمركز في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي المحصلة لا تخفى أهمية البحث التاريخي المونوغرافي سواء على مستوى إحياء وتنمية الأرشيف المحلي الإقليمي والجهوي وتنمية الرصيد الوثائقي، أو في ما يتعلق بالتعاطي مع الإشكاليات الخاصة بكل المناطق المغربية، والتي تتخذ لها غالبا بعدا تاريخيا لا غبار عليه، ومن ثمة توظيف خلاصات ونتائج تلك الأبحاث في معرفة أفضل للمجال وفي دينامية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة...

     ضمن هذا الأفق، سعت منسقية النسيج الجمعوي التازي إلى لانخراط في ورش العمل العلمي من أجل كتابة تاريخ تازة وأحوازها، وفق عمليات وأبحاث ممنهجة تروم القطع نهائيا مع مرحلة بياض شامل لم يُسجل خلالها للأسف الشديد إلا جهد قليل لا يفي بالغرض، ونزر يسير في التوثيق لتاريخ تازة وأحوازها، والحال أنه يتميز بالغنى والتنوع والتشعب عبر إشكاليات ومفاصل مختلفة حسب المراحل التاريخية. وفي مقابل هذا الغنى والتنوع نجد الأحكام الجاهزة والكتابات النمطية التي تطغى عليها هموم اللحظة والمواقف الذاتية والانطباعات التي تبقى بعيدة عن النظر التاريخي المنهجي والموضوعي. ويأمل عمل المنسقية في هذا الاتجاه إحياء الأرشيف المحلي وهو في حكم الضائع، أو على الأقل إحداث نواة محترمة له مواكبة للجهود الوطنية في هذا المجال، وكذا تشجيع وتثمين البحوث والأطاريح التي كتبت وطبعت حول تراث وتاريخ المنطقة، ومع كل ذلك تصحيح المفاهيم وملء الثغرات هنا وهناك. هذا الهاجس المعرفي التأسيسي كجزء لا يتجزأ من هموم وانشغالات المنسقية كان حاضرا بقوة عند الإعداد لندوة علمية وازنة تصورا وإستراتيجية وإعدادا وأهدافا؛ فمحور الندوة "تازة ...التاريخ...الأبحاث العلمية والذاكرة"/ المنظمة يوم السبت 9 دجنبر2017 بقاعة العروض بغرفة التجارة والصناعة والخدمات بتازة، ظل يموج بالعديد من الأسئلة ذات الطبيعة التاريخية والمجالية، والتي لا تخلو من عمق وقلق معرفي ومنهجي من خلال أطروحات وقراءات متعددة، لكنها تصب في نفس المحور العام، أي مجال تازة وممرها وحوض إيناون ونطاقي الأطلس المتوسط الشمالي وتلال مقدمة الريف. وبذلك تؤسس منسقية النسيج الجمعوي التازي لمرحلة جديدة من كتابة التاريخ المحلي تعيد الارتباط الجدلي مع البحث الجامعي الأكاديمي من جهة، بما يميزه من دقة علمية ومقاربات منهجية وإشكاليات (باعتماد الوثائق والمقارنة والنقد والتمحيص)، ومن جهة ثانية فتح المجال وتحفيز انخراط المهتمين والمثقفين والباحثين المحليين في دينامية التاريخ الجهوي والوطني عموما، وتأسيس رصيد وثائقي محترم عبر تراكم نوعي من المؤلفات والأطاريح والمواكبات المتعددة كخلاصات وتوصيات الندوات واللقاءات والعروض والمحاضرات التي لها علاقة بالموضوع...أي تاريخ منطقة تازة وتراثها ورصيدها الوثائقي والمصدري .

    من خلال محاور الندوة اتضح أنها ركزت على منطقة تازة عبر المرحلة الاستعمارية، أي فترة الحماية الفرنسية، وهي المرحلة الهامة التي شكلت منعطفا في تاريخ المغرب المعاصر، لازالت آثارها وتداعياتها مستمرة إلى حد الآن، ومن خلال الإستراتيجية التي سلكتها سلطات الحماية بغية احتلال المنطقة أولا، أي ممر تازة ومناطقه المجاورة عبر الممارسة الذكية متعددة الأبعاد (الجاسوسية – جس نبض القبائل – استقطاب الشيوخ والأعيان – التوسع الخطي بدل بقعة الزيت التي اعتمدها ليوطي... إلخ )، وثانيا من خلال السياسة العامة التي سلكتها تلك السلطات، ليس فقط من أجل السيطرة على قبائل المنطقة وأراضيها وممتلكاتها، وإنما أيضا بقصد تدجينها نهائيا في أعمال السخرة وفرض ذعائر وضرائب وأشكال مراقبة وضبط وقمع واستغلال عبر السياسة القايدية التي نجحت في تلك الخطط الاستعمارية إلى حد بعيد (قياد قبائل غياثة التسول والبرانس كنماذج) .وبقدر ما همت الأطاريح المنطقة بكاملها (الريف – الأطلس – حوض إيناون – مدينة تازة) فإنها طرحت سؤال الجدل بين البادية والمدينة، بين القبائل وساكنة الحاضرة، بين ما سمي بلاد السيبة وبلاد المخزن، بما طبعها من شد وجذب خلال هذه المرحلة التاريخية الحاسمة على صعيد البلاد ككل والممتدة من 1912 إلى حدود الاستقلال، أي سنة 1956، وبين تلك القبائل والمخزن من جهة وسلطات الحماية من جهة ثانية ...إن فهم واستيعاب هذه المرحلة التاريخية يساعد بالقول والفعل على تمهيد السبل نحو تنمية المجال والإنسان تبعا لـ"الوظائف" أو "الأدوار" التي اضطلع بها ممر تازة وحوض إيناون، ومعهما ما سمي تاريخيا ومجاليا بقعة تازة، أي الأطلس المتوسط، ثم تلال مقدمة الريف. ولا يخفى ما لهذه المسالك التاريخية والمجالية من تشعبات تطرح العديد من الفرضيات والإشكاليات والأسئلة. وكنماذج على ذلك استكمال سيطرة القوات الاستعمارية على أنحاء البلاد بعد احتلال ممر تازة، ربط شرق البلاد بغربها، توحيد ما سمي شمال إفريقيا الفرنسية، تصنيف المنطقة ببعد عسكري وإستراتيجي من الدرجة الأولى، طبيعة قبائلها المتشبعة بقيم الحرية والاستقلال والدفاع عن الأرض والعرض، دور مدينة تازة كموقع متحكم في ممرها...

إضافة إلى ما سبق فقد تمحورت إستراتيجية منسقية النسيج الجمعوي حول تفعيل البحث العلمي الرصين بتازة والأحواز والجهة، عن طريق اعتماد أسلوب الشراكة مع كل الإطارات المعنية، بما تفترضه من تعاون وتبادل الخبرات والتجارب ومجالات العمل. وتأتي شعبة التاريخ بكلية الآداب جامعة محمد بن عبد الله بفاس في طليعة الشركاء الفاعلين. وقد جسد حضور ومساهمة رئيس شعبة التاريخ بكلية فاس في الندوة الأستاذ، الدكتور سمير بوزويتة، تفعيلا عمليا وواقعيا لهذا التعاون العلمي المثمر، إذ قام بالإشراف على الأطاريح التاريخية الست المقدمة خلال الندوة. ونذكر من شركاء المنسقية النادي التازي للصحافة، ونادي المسرح والسينما (حيث طرحت إمكانية إنجاز أشرطة وثائقية أو روائية حول قبائل المنطقة ومقاومتها للمستعمر) اللذين أبانا عن تعاون بناء في هذا المجال، وكذا المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، التي جاءت مساهمتها تأكيدا على المساهمة الفعالة لإقليم تازة في مقاومة الاحتلال الأجنبي، سواء خلال المرحلة "القبلية" الأولى بين 1911 و1926 أو خلال فترة انطلاق حركة جيش التحرير شمال وجنوب تازة في 02 أكتوبر 1955. هذا التعاون أساسي وسيمكننا من تحقيق بعض أو كل التوصيات التي خرجت بها الندوة المعنية، والتسويق الرمزي لذاكرة وتراث وتاريخ المنطقة. وتتلخص تلك التوصيات التي صدرت عن الندوة في ضرورة تأسيس مركز الدراسات والأبحاث لتازة، وتشجيع المزيد من الأطروحات التاريخية والتراثية، وتعميم الموجود منها على المكتبات المدرسية والجامعية، وإحياء الأرشيف المحلي وتعزيزه....وهو الأرشيف الذي يتطلب بحوثا معمقة ومستمرة تعوض وتؤسس ما ضاع منه، وهو الأغلب للأسف الشديد، باستثناء ما يوجد في خزانة الجامع الأعظم، وهي مغلقة منذ أمد بعيد أمام الباحثين بمختلف أصنافهم ودون أي سبب موضوعي أو واضح للعيان والباحثين .

لاتوجد مواضيع في هذه النافذة